ابن الأثير

399

الكامل في التاريخ

والمخاتلة مع فطنة بجهات الشرّ وعجب به ، وكان غلقا [ 1 ] سيّئ الخلق لا يغفر الصغيرة من الزلّات ولا يقبل شفاعة أحد من النّاس وإن كان قريبا منه ، كثير التهمة ، ولا يأتمن أحدا على شيء ، ولم يكن يكافئ أحدا على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف [ 2 ] استعظمه ، وإذا بلغه أنّ أحدا من أصحابه صافي أحدا من أهل صناعته نحاه عن خدمته . وكان فيه مع ذلك ذكاء ذهن وحسن أدب ، وقد مهر في صنوف من العلم ، واستوزر نرسي حكيم زمانه ، وكان فاضلا قد كمل أدبه ولقّبه هزار بيده ، فأمل النّاس أن يصلح نرسي منه ، فكان ما أملوه بعيدا . فلمّا استوى له الملك واشتدّت شوكته هابته [ 3 ] الأشراف والعظماء ، وحمل على الضعفاء فأكثر من سفك الدّماء . فلمّا ابتليت الرعيّة به شكوا ما نزل بهم منه إلى اللَّه تعالى وسألوه تعجيل إنقاذهم منه ، فزعموا أنّه كان بجرجان فرأى ذات يوم في قصره فرسا عائرا [ 4 ] لم ير مثله ، فأخبر به ، فأمر أن يسرج ويلجم ويدخل عليه ، فلم يقدر أحد على [ 5 ] ذلك ، فأعلم بذلك ، فخرج إليه بنفسه وألجمه بيده وأسرجه ، فلمّا رفع ذنبه ليثفره [ 6 ] رمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه وملأ الفرس فروجه جريا ولم يعلم له خبر ، وكان ذلك من صنع اللَّه ورأفته بهم .

--> [ 1 ] علقا . ( الغلق : الضجر السيء الخلق ) . [ 2 ] العرق . ( العرف : الجود والمعروف ، ما تعطيه ) . [ 3 ] أهانته . [ 4 ] غائرا . ( والعائر : الهائم على وجهه لا يثنيه شيء ) . [ 5 ] عليه . [ 6 ] ( يثفره : أي يضع الثّفر ، وهو سير من الجلد في مؤخر السرج ، تحت ذنب الفرس ) .